محمد بن جرير الطبري

57

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أرأيت إبلك ألست تنتجها مسلمة آذانها ، فتأخذ الموسى فتجدعها تقول هذه بحيرة ، وتشق آذانها تقول هذه حرم ؟ " قال : نعم ، قال : " فإن ساعد الله أشد ، وموسى الله أحد ، كل مالك لك حلال لا يحرم عليك منه شيء " . حدثنا محمد بن المثني ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن أبي إسحاق ، قال : سمعت أبا الأحوص ، عن أبيه أبو أبي الأحوص ، قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " هل تنتج إبل قومك صحاحا آذانها فتعمد إلى الموسى فتقطع آذانها فتقول هذه بحر ، وتشقها أو تشق جلودها فتقول هذه حرم ، فتحرمها عليك وعلى أهلك ؟ " قال : نعم . قال : " فإن ما آتاك الله لك حل ، وساعد الله أشد ، وموسى الله أحد " وربما قال : " ساعد الله أشد من ساعدك ، وموسى الله أحد من موساك " . وأما السائبة : فإنها المسيبة المخلاة ، وكانت الجاهلية يفعل ذلك أحدهم ببعض مواشيه ، فيحرم الانتفاع به على نفسه ، كما كان بعض أهل الإسلام يعتق عبده سائبة فلا ينتفع به ولا بولائه . وأخرجت المسيبة بلفظ السائبة ، كما قيل : " عيشة راضية " ، بمعنى : مرضية . وأما الوصيلة ، فإن الأنثى من نعمهم في الجاهلية كانت إذا أتأمت بطنا بذكر وأنثى ، قيل : قد وصلت الأنثى أخاها ، بدفعها عنه الذبح ، فسموها وصيلة . وأما الحامي : فإنه الفحل من النعم يحمي ظهره من الركوب ، والانتفاع بسبب تتابع أولاد تحدث من فحلته . وقد اختلف أهل التأويل في صفات المسميات بهذه الأسماء وما السبب الذي من أجله كانت تفعل ذلك . ذكر الرواية بما قيل في ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة بن الفضل ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن إبراهيم بن الحرث التيمي أن أبا صالح السمان ، حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأكثم بن الجون الخزاعي : " يا أكثم رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار ، فما رأيت من رجل أشبه برجل منك به ولا به منك " فقال أكثم : أيضرني شبهه يا نني الله ؟ قال : " لا ، لأنك مؤمن وهو كافر ، وإنه كان أول من غير دين إسماعيل ونصب الأوثان ، وسيب السوائب فيهم " . وذلك أن الناقة إذا تابعت ثنتي عشرة إناثا ليس فيها ذكر سيبت ، فلم يركب ظهرها ولم يجز وبرها ولم يشرب لبنها إلا ضيف . فما نتجت بعد ذلك من أنثى شق أذنها ثم خلي سبيلها مع أمها في الإبل ، فلم يركب ظهرها ولم يجز وبرها ولم يشرب لبنها إلا ضيف ، كما فعل بأمها ؛ فهي البحيرة ابنة السائبة . والوصيلة : أن الشاة إذا نتجت عشر إناث متتابعات في خمسة أبطن ليس فيهن ذكر جعلت وصيلة ، قالوا : وصلت ، فكان ما ولدت بعد ذلك لذكورهم دون إناثهم ، إلا أن يموت منها شيء فيشتركون في أكله ذكورهم وإناثهم . والحامي : أن الفحل إذا نتج له عشر إناث متتابعات ليس بينهن ذكر حمي ظهره ، ولم يركب ، ولم يجز وبره ، ويخلي في إبله يضرب فيها ، لا ينتفع به بغير ذلك . يقول الله تعالى ذكره : ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ إلى قوله : وَلا يَهْتَدُونَ حدثنا ابن بشار ؛ قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن أبي الضحى ، عن مسروق في هذه الآية : ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ قال أبو جعفر : سقط علي فيما أظن كلام منه قال : فأتيت علقمة فسألته ، فقال : ما تريد إلى شيء كانت تصنعه أهل الجاهلية . حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي ، قال : ثنا أبي ، عن أبيه ، عن جده ، عن الأعمش ، عن مسلم ، قال : أتيت علقمة ، فسألته عن قول الله تعالى : ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ فقال : وما تصنع بهذا ؟ إنما هذا شيء من فعل الجاهلية قال : فأتيت مسروقا ، فسألته ، فقال : البحيرة : كانت الناقة إذا ولدت بطنا خمسا أو سبعا ، شقوا أذنها وقالوا : هذه بحيرة . قال : وَلا سائِبَةٍ قال : كان الرجل يأخذ بعض ماله ، فيقول : هذه سائبة . قال : وَلا وَصِيلَةٍ قال : كانوا إذا ولدت الناقة الذكر أكله الذكور دون الإناث ، وإذا ولدت ذكرا وأنثى في بطن قالوا : وصلت أخاها ، فلا يأكلونهما ؛ قال : فإذا مات الذكر ، أكله الذكور دون الإناث . قال : ولا حام ، قال : كان البعير إذا ولد وولد ولده ، قالوا : قد قضى هذا الذي عليه ، فلم ينتفعوا بظهره ،